السيد محمد تقي المدرسي
174
من هدى القرآن
حيث هم ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله في وصيته لأبي ذر رضي الله عنه : « . . يَا أَبَا ذَرٍّ الدَّرَجَةُ فِي الجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَرْفَعُ بَصَرَهُ فَيَلْمَعُ لَهُ نُورٌ يَكَادُ يَخْطَفُ بَصَرَهُ فَيَفْزَعُ لِذَلِكَ فَيَقُولُ : مَا هَذَا ؟ . فَيُقَالُ : هَذَا نُورُ أَخِيكَ ، فَيَقُولُ : أَخِي فُلَانٌ كُنَّا نَعْمَلُ جَمِيعاً فِي الدُّنْيَا وَقَدْ فُضِّلَ عَلَيَّ هَكَذَا ! . فَيُقَالُ لَهُ : إِنَّهُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْكَ عَمَلًا ، ثُمَّ يُجْعَلُ فِي قَلْبِهِ الرِّضَا حَتَّى يَرْضَى . . » « 1 » . ولعل أعظم مقاييس التفاضل : التطوع في سبيل الله فهناك فريق من المؤمنين ينذرون أنفسهم في سبيل الله ، وهم مفضَّلون على من سواهم ، وسواء كان هؤلاء ربانيين أو أحبارا أو مجاهدين فإنهم السابقون بالخيرات على عامة المؤمنين ، الذين يلتزمون بالواجبات ، ويتجنبون المحرمات ، ويعملون الحسنات ، ولكنهم لا يتطوعون كليًّا لله ، بل تراهم يمارسون حياتهم العادية ضمن ما شرع لهم ربهم ، وهم القاعدون الذين وعدهم الله الحسنى أيضا ، ولكن فضَّل عليهم المجاهدين أجرا عظيما . والقاعدون من المؤمنين هم أمثال العمال والفلاحين والحرفيين والتجار والموظفين ، وسائر أبناء الأمة ، والمجاهدون هم المتصدون لقضايا الأمة ، كالعلماء العاملين والمجاهدين في سبيل الله ، إن هؤلاء يسهرون على مصالح الأمة ، ويبادرون للدفاع عنها ، ويتصدون لقيادتها نحو الخير والحق ، متحملين في ذلك الصعاب ، إنهم يستقرون في منازلهم ودرجاتهم الرفيعة في الجنة ، يقول من دونهم إذا نظروا إليهم : « رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كُنَّا مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَبِمَ فَضَّلْتَهُمْ عَلَيْنَا فَيُقَالُ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ إِنَّهُمْ كَانُوا يَجُوعُونَ حِينَ تَشْبَعُونَ ، ويَظْمَؤُونَ حِينَ تَرْوَوْنَ ، ويَقُومُونَ حِينَ تَنَامُونَ ، ويَشْخَصُونَ حِينَ تُحْفَظُونَ » « 2 » . هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولعلنا نلمس في النصوص المأثورة عن النبي والأئمة عليه السلام أبعاد هذا التمايز ، فمثلا أكثر وصاياهم وكلماتهم موجهة إلى عامة الناس ، في حين نجد في كلماتهم وصايا تخص الطلائع والقادة من أمثال : ( كميل ابن زياد ، وأبي ذر الغفاري ، وسلمان المحمدي ، وابن مسعود ، وابن جندب ) . وإنما يؤكد الله هذا التفاضل ، كما هو الحال في حديثه هنا عن الجنات الأربع لكي يتسابق الناس إلى الخير ، وقد صرح القرآن بهذا الهدف إذ قال : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [ الحديد : 21 ] ، بل اعتبر القرآن التسابق في إتقان العمل هدفا للخلق : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ هود : 7 ] ، وقال : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الملك : 2 ] .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 74 ، ص 80 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 74 ، ص 78 .